ابن كثير
115
البداية والنهاية
المعروف والده بالمجيد ، تفقه على أبيه وقرأ عليه علم الكلام ، ودرس بمدرسته عند باب الأزج ، ووكله الخليفة الناصر واشتهر بالديانة والأمانة ، وباشر مناصب كبارا ، وحج مرارا عديدة ، وكان متواضعا حسن الأخلاق وكان يقول : وما تركت ست وستون حجة * لنا حجة أن نركب اللهو مركبا وكان ينشد : العلم يأتي كل ذي خفض * ويأبى على كل آبي كالماء ينزل في الوهاد * وليس يصعد في الروابي ثم دخلت سنة تسع عشرة وستمائة فيها نقل تابوت العادل من القلعة إلى تربته العادلية الكبيرة ، فصلي عليه أولا تحت النسر بالجامع الأموي ، ثم جاؤوا به إلى التربة المذكورة فدفن فيها ، ولم تكن المدرسة كملت بعد ، وقد تكامل بناؤها في هذه السنة أيضا ، وذكر الدرس بها القاضي جمال الدين المصري ، وحضر عنده السلطان المعظم فجلس في الصدر وعن شماله القاضي وعن يمينه صدر الدين الحصيري شيخ الحنفية ، وكان في المجلس الشيخ تقي الدين بن الصلاح إمام السلطان ، والشيخ سيف الدين الآمدي إلى جانب المدرس ، وإلى جانبه شمس الدين بن سناء الدولة ، ويليه النجم خليل قاضي العسكر ، وتحت الحصيري شمس الدين بن الشيرازي ، وتحته محيي الدين التركي ، وفيه خلق من الأعيان والأكابر ، وفيهم فخر الدين بن عساكر . وفيها أرسل الملك المعظم الصدر الكشهني ( 1 ) محتسب دمشق إلى جلال الدين بن خوارزم شاه يستعينه على أخويه الكامل والأشرف اللذين قد تمالئا عليه ، فأجابه إلى ذلك بالسمع والطاعة ، ولما عاد الصدر المذكور أضاف إليه مشيخة الشيوخ . وحج في هذه السنة الملك مسعود بن أقسيس بن الكامل صاحب اليمن فبدت منه أفعال ناقصة بالحرم من سكر ورشق حمام المسجد بالبندق من أعلا قبة زمزم ، وكان إذا نام في دار الامارة يضرب الطائفون بالمسعى بأطراف السيوف لئلا يشوشوا عليه وهو نوم سكر قبحه الله ، ولكن كان مع هذا كله مهيبا محترما والبلاد به آمنة مطمئنة ، وقد كاد يرفع سنجق أبيه يوم عرفة على سنجق الخليفة فيجري بسبب ذلك فتنة عظيمة ، وما مكن من طلوعه وصعوده إلى الجبل إلا في آخر النهار بعد جهد جهيد . وفيها كان بالشام جراد كثير أكل الزرع والثمار والأشجار . وفيها وقعت حروب كثيرة بين القبجاق والكرج ، وقتال كثير بسبب ضيق بلاد القبجاق عليهم . وفيها ولي قضاء القضاة ببغداد أبو عبد الله محمد بن فلان . ولبس الخلعة في باب دار الوزارة مؤيد الدين محمد بن محمد القيمق بحضرة الأعيان والكبراء وقرئ تقليده بحضرتهم وساقه ابن الساعي بحروفه .
--> ( 1 ) هو صدر الدين أبو الحسن محمد بن أبي الفتح .